محمد بن سلام الجمحي
315
طبقات فحول الشعراء
/ / وما نحن ، إن جارت صدور ركابنا ، * بأوّل من غرّت دلالة عاصم " 1 " أراد طريق العنصلين ، فياسرت * به العيس في وادى الصّوى المتشائم " 2 " وكيف يضلّ العنبرىّ ببلدة * بها قطّعت عنه سيور التّمائم " 3 " وجاء بجلمود له مثل رأسه * ليشرب ماء القوم بين الصّرائم " 4 "
--> - فلأنت أهون من زياد جانبا * اذهب إليك مخرّم السّفّار وتنحى الأسد عن الطريق ، ومضيا . فقال الفرزدق في هذا المعنى كله ، ونسب العنبري إلى الجبن ، وأنه ليس بالخريت " . ( 1 ) ديوانه : 841 والمراجع السالفة . وهي قصيدة طويلة ، خالف ابن سلام بين أبياتها في اختياره هذا ، وكان في المخطوطة : " غرت له دلالة " ، فجعلت دائرة على ( له ) . وكتبت بخطى على المخطوطة : " البيت بحذف له " . وجارت صدور الركاب : عدلت عن الطريق فضلت . ( 2 ) طريق العنصلين : هي طريق مستقيمة من اليمامة إلى البصرة عن طريق مكة . وياسرت : جنحت يسرة . والصوى : جمع صوّة ، وهي أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفاوز المجهولة ، يستدل بها على الطريق . والمتشائم : الآخذ شأمة ، أي يسارا ، أو ناحية الشام . ولم يرد واديا بعينه ، بل أراد فلاة مجهولة مضلة ، فيها صوى يستدل بها من مخافة الضلال . ويروى " نائى الصوى متشائم " . يقول : أراد العنبري الطريق المستقيمة ، ولكن الإبل هي التي جارت به عنها ، يسخر منه ومن هدايته ! ( 3 ) البلدة : الصحراء الواسعة . والتمائم جمع تميمة : وهي خرزة رقطاء تنظم في سير ثم تعلق على الصبى ، فكان الأعراب في الجاهلية يعلقونها على أولادهم ينفون بها النفس والعين بزعمهم ، فجاء الإسلام فأبطله ، لأنه شرك ، يراد بالحجر أن يقى من مقادير اللّه ! سبحانه أن يكون في شئ من خلقه قدرة على دفع ما أراد ، وكانوا إذا بلغ الصبى مبلغ الرجل قطعوا عنه تمائمه . يسخر منه ويقول : هي بلاده وأرضه ، فلو لا غشه لما ضل ، أو لو كان دليلا محسنا ، لعرف بلاده التي بها ولد ونشأ . ( 4 ) الجلمود : الصخرة الملساء الصلبة . والصرائم جمع صريمة : وهي الرملة المنقطعة من معظم الرمل . وأراد صفة هذه البيداء التي وقع فيها . وقوله : " وجاء بجملود " ، ذلك أنهم كانوا إذا سلكوا المفاوز فقل زادهم من الماء ، وعدموا الماء في البادية ، أتوا بحصاة صغيرة يسمونها " المقلة " ، فتوضع في الإناء ويصب عليها من الماء الذي معهم ، قدر ما يغمر الحصاة ، فيعطى كل رجل منهم من الماء مثل صاحبه سواء . فجاء هذا العنبري بحصاة كبيرة ، أراد أن يأخذ من الماء أكثر مما ينبغي ، فذمه بالشره والأثرة ولؤم الصحبة في السفر ، والخوف على نفسه دون نفوس -